|
|
موقع الاديب جمال علوش
|
|
|
|
رحلة الغيمة الصغيرة قصص للأطفال
الاهداء إلى الحلم الذي لم يدن بعد إلى سومر جمال
عصفور الجنة كان عصفور الجنة الجميل في طريق عودته إلى عشِّهِ وصغارهِ ، حين سمع صوتاً حزيناً متوسلاً يناديه: - أيها العصفور .. أيها العصفور ! نظر العصفور إلى أسفل ، فرأى صديقه حقل الحنطة كان حقل الحنطة حزيناً يابس الوجه.. وكانت عيناه تتوسلان قال العصفور : - ماذا تريد أيها الحقل؟ قال الحقل بحزن : - لقد تأخرت عليَّ الغيوم .. ولم تعد سنابلي الضعيفة قادرة على تحمل العطش الشديد .. أرجوك ساعدني . قال العصفور : - أساعدك؟.. وهل أنا غيمة حتى أتحول إلى مطر؟! قال الحقل: - لا .. لم أقصد ذلك . - ماذا تقصد إذن ؟ - أقصد ان تعود أدراجك إلى صديقاتي الغيمات. وتخبرهن أنني بحاجة ماسة إلى الماء.. وهنَّ لن يتأخرن عن المجيء إليّ .. أرجوك . أطرق العصفور لحظات ، ثم رفع رأسه وقال : - أنا آسفٌ أيها الحقل .. لقد أمضيت نصف النهار وأنا أبحث عن الطعام لأطفالي .. وها أنذا عائد به إليهم.. ثم أنني متعب .. أنا آسف . صاح الحقل : أرجوك أيها العصفور .. سأموت. وتابع العصفور طيرانه غير عابئ بتوسلات الحقل المسكين ، سمع الحوار غدير صغير كان ينام باسترخاء إلى جوار الحقل. هزَّ الغدير رأسه وتمنى لو يتحول إلى نهر .. نهر كبيريكفي لإسكات عطش الحقل الصديق. ومرت الشهور .. وجاء الصيف بدفئه وشمسه وأحلامه . أفاق عصفور الجنة من نومه . نظر إلى فراخه. كانوا يغطون في النوم . ابتسم ،ثمَّ فرد جناحه ، وطار ليبحث لهم عن طعام الإفطار. دار العصفور ، وبحث كثيراً .. إلا أنه لم يوفق في الحصول على الطعام . وأخيراً تذكر صديقه حقل الحنطة . قال لنفسه: ( لا شك أنه الآن مكتنزٌ بالسنابل الذهبية ) .. ثم طار باتجاه الحقل . وهناك ، فوجئ العصفور .. كان الحقل حزيناً صامتاً لا أثر للحياة فيه . تساءل العصفور : ( أين السنابل الذهبية التي كان الحقل يمتلئ بها كل عام؟ ) ... ولما لم يجبه أحد ، طار ليتابع بحثه الطعام. اقترب العصفور من الغدير الصغير وهو يشعر بعطش شديد . وعندما حاول أن يضع منقاره في الماء صاح به الغدير : - توقف أيها العصفور .. لن أدعك تشرب من مائي ! - لماذا أيها الصديق.. إنني أكاد أموت عطشاً ؟! صرخ الغدير : - لا تدعني صديقك . - لماذا أيها الغدير ؟ - لأنَّ الصديق هو الذي يحترم أصدقاءه ويعمل على مساعدتهم إن هم احتاجوا إليه . قال العصفور : - وهل قصَّرْت في مساعدتك يوماً ؟ قال الغدير : - لا .. ولكنك قصّرت ، بل امتنعت عن مساعدة أعزّ أصدقائنا. قال العصفور : - ومن الذي امتنعتُ عن مساعدته؟ - جارنا الحقل.. إلا تذكر موقفك معه في الشتاء الماضي .. ألا تذكر توسلاته إليك قبل أن يموت ؟ أطرق العصفور مسترجعاً في خياله صورة الحقل الذي رآه قبل لحظات بلقعاً لا حياة فيه .. وتذكر ما جرى بينهما من حوار في الشتاء الماضي .. وكيف صمَّ أذنيه عن سماع توسلات الحقل المسكين. شعر العصفور بالألم.. وبأنه السبب في موت صديقه فبكى ... ويُقال إن العصفور قطع على نفسه عهداً منذ ذلك اليوم بأن يبحث طوال الشتاء عن الغيوم ويدعوها لسقاية الحقول العطشى. لذلك ، ولكما أوشك المطر ان يهطل ، نرى عصافير الجنة تطير قريباً من الأرض وكأنها تبشرها بقدوم المطر. * * *
|
|
حكاية حبة القمح -1- أذكر عندما فتحت عينيَّ ذات صباح ، أنني أبصرت نهراً أصفرَ من السنابل ينساب باتجاه الشرق، كان المنظر ساحراً جداً ، لذلك رفعت رأسي لأرى أكثر ، إلا أن الريح هبت بقوة في تلك اللحظة، فحملتني على ظهرها وطارت بعيداً . شعرت بفرح غامر يتملكني وأنا على ظهر الريح. قلت في سرّي : ( سأزور البلدان ، وأتعرف على كثير من الأصدقاء ). ونمت على كتف الريح. -2- رمتني الريح في وسط سهل واسع ، فابتسمت. قلتُ : ( سأظل هنا أتمتع بدفء الشمس ، وأسامر النجوم في الليل ، وعندما أشتاق للرحيل ، ستحملني صديقتي الريح إلى حيث أشاء ) . قالت لي شجرة كانت تتوسط السهل : - ليس هذا مكانك أيتها الحبة! وقال لي غدير صغير : - اغرسي نفسك في التربة .. وستتحولين بعد شهور إلى سنبلة تحبها الطيور والعصافير . وقالت لي الأرض : - انغرسي فيَّ ، تجدي الدفء والغذاء والأمان. وطبعاً لم استجب لطلب أحد ، فقد قررت أن أظل كما أنا . حبة حنطة ذهبية .. أزور البلدان، وأتعرَّف على الناس ، واكتسب خلال تجوالي الكثير من الأصدقاء.. وربما يحالفني الحظ فيما بعد.. فاجمع مشاهداتي كلها في كتاب يحمل اسمي . فأصبح أديبة مشهورة . ونمت بانتظار عودة صديقتي الريح. -3- ومرت الأيام والشهور.. وجاء الشتاء. فتحت عيني ذات يوم فشعرت بالبرد يسري في جسدي قالت الشجرة : - يا للحبة المسكينة! وقال الغدير : - ستندم بعد أيام. وقالت الأرض : - لم يفت الأوان بعد.. هيا انغرسي في جسدي لكنني ، وبدافع من كبرياء عنيدة متأصلة فيَّ ، تحاملت ، وتصنعت اللامبالاة.. إلا أن الخوف بدأ يساورني .. فلربما تأخرت الريح ، ورحت أعد الدقائق في انتظارها. وفي غمرة الحزن والأمل والخوف جاءت الريح. حملتني على ظهرها ، وطارت بي ، قلت في نفسي : (ستحملني ولا شك إلى مكان أكثر أمنا ودفئاً .. ونمت. ) -4- فتحت عيني ، فإذا بي على ظهر تلَّة ، نظرت حولي فرأيت شجيرات برية ، كان المكان موحشاً.. لا ناس فيه ولا أصدقاء. قلت في سرّي ( لقد خذلتني الريح).. وبدون أن أشعر ، وجدتني أحفر في التربة وأتغلغل حتى وصلت إلى عمق شعرت معه بالدفء والأمن والحنان. -5- ومرَّت الأيام.. وأفقتُ ذات صباح على حركة تنبعث من داخلي : كان جسدي ينشق عن برعم أخضر طريّ نظرت من خلاله إلى الشمس فوجدتها تبتسم.. فابتسمت لها.. ورحت أتابع مع الأيام نمو ساقي التي توجت نهايتها بسنبلة تحمل الكثير من الحبوب الخضر وعندما حل الصيف بدفئه الساحر.. واكتسبت حبوبي لونها الذهبي، حدثتها عن حكايتي ، وأسهبت في وصف وطني هناك.. حيث السهول تنداح معجبة بلألائها .. فشعرت بالشوق بتدفق من عيونهن.. وبإصرارهن على انتظار ذلك اليوم الذي تجيئ فيه الريح وتحملهن إلى حيث يضحك الوطن. * * *
|
|
أغنية الحقول فجأة ، ودون سبب واضح ، قرر النهر الذي يمر بقريتنا أن يحبس ماءه، ويمتنع عن سقاية الحقول. قال النهر بعجرفة: - ما لي وللحقول؟! .. منذ زمن وأنا أمنحها الماء كي تعيش .. ولكن هل قابلت كرمي بكرم مماثل؟.. هل منحتني شيئاً؟. لا .. لن أمنحها الماء ابداً .. أبداً . وتابع النهر سيره وهو يغني بتكبر واستعلاء. ومرت الأيام ، وشعرت الحقول التي انقطع عنها الماء بالعطش ، ولوت أشجارها الصغيرة أعناقها ، وراحت تنتحب بصمت. قال حقل صغير للنهر : - أنا عطش أيها النهر.. هلا منحتني قليلاً من الماء؟ قال النهر : - لا .. الماء ملكي ، ولن أبدده عليك وعلى أصحابك . قال الحقل باستغراب : - ومن قال أنك تبدد ماءك؟! أنت تمنحنا الحياة التي نمنحها نحن ايضاً للناس بما نقدمه لهم من ثمار وخيرات . قال النهر: - تمنحون خيراتكم للناس!.. وأنا .. أنا ألا أستحق شيئاً من هذه الخيرات؟! - تستحق !.. ماذا تقول ؟!.. هل تريد ان تأكل تفاحاً .. أم ماذا ؟! قال النهر بغضب: - انظر ! .. ها أنت تسخر مني !! - ولكن كلامك غريب .. غريب جداً ! - وما وجه الغرابة فيه؟ قال الحقل : - الحياة يا صاحبي أخذ وعطاء.. ومن الحكمة أن تعطي بقدر ما تأخذ.. هذه سنة الحياة . قال النهر باستخفاف : - وماذا أخذت حتى أعطي لغيري؟ قال الحقل : - الا تمنحك الثلوج ماءها عندما تذوب في نيسان من كل عام .. ألا تمدُّك الأمطار دائماً بالمياه العذبة في فصل الشتاء.. أليس هذا عطاء؟ قال النهر : - هراء .. أنا قوّي وغزير بدون مياه الثلوج والأمطار. كانت الشمس تبتسم ، وهي تنصت لما يدون من حوار بين الحقل والنهر ، فتدخلت قائلة : - تعقّل أيها النهر.. وإلا هلكت الحقول ،رفع النهر رأسه إلى الشمس ، وقال : - وما دخلك أنت؟ قالت الشمس : - ستموت الحقول . قال النهر : - ما لي وللحقول ؟! .. ثم ألا أكون عاقلاً إلا إذا بدّدت مائي؟! قالت الشمس : - ولكن ماءك سيتبدد في النهاية ويذهب إلى حيث لا يُستفاد منه ، قال النهر : - ماذا تعنين ؟ قالت الشمس : - ألنْ تصبَّ في البحر؟ - بلى . - إذن سيذهب ماؤك هباء، وستموت الحقول ، فكَّر النهر لحظات ، ثم هزَّ رأسه ، وقال بتعنت: - أن أصبَّ في البحر خير لي من أن أمنحَ مائي لهذه الحقول الكسولة البخيلة. قالت الشمس : - لا فائدة من الجدل معك.. أنت نهر غبيّ ومتكبر.. سآخذ منك الماء بالقوة لأمنحه لهذه الحقول المسكينة قبل أن تموت. قال النهر بتحد : - تسبينني .. وتهينينني !! . هه.. ماذا يمكنك أن تفعلي؟ قالت الشمس : - سترى . وسرعان ما ضاعفت الشمس من حرارة أشعتها ، وسلطتها على مياه النهر، فبدأ البخار يتصاعد ويتجمع في السماء غيوماً بيضاء ناصعة ، ثم ما لبثت أن تحولت إلى مطر راح يهطل بغزارة فوق الحقول العطشى. رفعت الحقول عيونها على الأعلى ، فرأت الشمس تبتسم قبل أن تتوارى خلف تلال الغيوم .. فاهتزت أشجارها الصغيرة ، وراحت تغني للشمس والمطر والحياة. * * *
|
|
رحلة الغيمة الصغيرة قال البحر بصوته الأجش الوقور وهو يودع بناته الغيمات : - اذهبن نحو الشرق ، وستحملكن صديقتي الريح ، وإياكن أن تبددن ماءكن هباء.. في الشرق أراض كثيرة بحاجة إلى الماء .. هيا يا صغيراتي . اعتلت الغيمات متن الريح السريعة ، ويممن صوب الشرق وفي منتصف الطريق، قالت غيمة صغيرة لأخواتها: - من أين لأبينا البحرأن يعرف كل هذا.. لعل أراضي الشمال بحاجة إلينا أكثر ؟ ردت غيمة عاقلة : - ما زلت صغيرة .. فلا تخالفي أوامر البحر الحكيم. قالت الغيمة : - بل سأذهب إلى الشمال ، وأمنح مائي أول بقعة تطلبه ، انفردت الغيمة عن رفيقاتها ، واتجهت صوب الشمال . سارت كثيراً ، وقطعت مسافات شاسعة ، لكنها لم تجد سوى حقول خضراء تجري في وسطهاالأنهار وغابات ووديان تطفح بالورود. اقتربت ، الغيمة من سهل أخضر تتوزع على جانبيه الأشجار ، ويقطعه نهر رقراق يغني بصوت عذب. قالت الغيمة : - ألا تريد مائي أيها السهل؟ أجاب السهل : - يا لَكِ من غيمة حمقاء !..لعلكِ ضللتِ الطريقَ.. ألا ترين هذا النهر الذي يمنحني الماء باستمرار؟! ابتلعت الغيمة الإهانة ، وتابعت سيرها إلى أن وصلت إلى حقل صغير نما نبته ، وازيَّنت أطرافه بأشجار الورد الصغيرة . قالت الغيمة: - جئت من البحر البعيد لأمنحك مائي أيها الحقل.. فافتح ذراعيك لي. ابتسم لحقل ، وقال ساخراً : - وهل ترين أنني بحاجة لمائك؟!.. إن صاحبي يسقيني كل مساء، ويعتني بتربتي ، ولا يدعني بحاجة لشيء .. اذهبي لغيري. ابتلعت الغيمة الإهانة الثانية ، وأكملت سيرها في أراضي الشمال ، فما وجدت أحداً بحاجة إليها. عندها أطرقت، وندمت على مخالفة أوامر أبيها البحر.. فأغضمت عينيها، واستسلمت للرياح. ولم تلبث أن مرت بها ريح سريعة، لمست الريحُ الحزن والندم مرتسمين على وجه الغيمة ، فلم تشأ إيقاظها ، وحملتها برفق على ظهرها، وسارت باتجاه الشرق. أفاقت الغيمة على صوت حزين متوسل : - أيتها الغيمة .. أيتها الغيمة.. أين كنت.. لقد تأخرت كثيراً . أنا بحاجة إليك. نظرت الغيمة إلى أسفل ، فرأت ( سيلة) قد تشقق وجهها من العطش ، ولوت سنابلها الصغيرة أعناقها . فركت الغيمة عينيها غير مصدقة، ودفعها الفرح إلى أن تبكي بغزارة، فتساقطت دموعها لتعانق الأرض العطشى، ولمحت قبل أن تتلاشى في أعماق التربة السنابل الصغيرة ترفع أعناقها وتبتسم للشمس. * * *
|
|
حسام يكتب رسالة فرحة حسام لا توصف ، فقد وصلت اليوم رسالة من والده الذي يقاتل في الجبهة. قالت الأم : - أبوك يهديك السلام يا حسام.. ويٍسأل إن كنت قد دخلت المدرسة أم لا .. ويقول أنه يريدك أن تتعلم لتكتب له رسالة كل يوم. خطف حسان الرسالة من يد أمه، وقبلها ، ثم ضمها إلى صدره، وقال : - وماذا قال ايضاً يا أمي .. هل حدثك عن الحرب؟ أجابت الأم : - اجل يا بني .. لقد ذكر أن قواتنا تقاتل بضراوة، وأن خسائر العدو تزداد يوماً يعد يوم . صمتت الأم لحظات ، ثم تابعت : - سأكتب له رداً .. ماذا تريد أن تقول لأبيك يا حسام؟ قال حسام : - ولكنني سأكتب له ايضاً يا أمي . قالت الأم مستغربة : - ولكنك لا تتقن الكتابة .. فأنت لم تدخل المدرسة بعد! . قال حسام : - ومع ذلك سأكتب. رمقت الأم ابنها بنظرة إعجاب، ثم هزت رأسها، واستدارت خارجة من الغرفة. أخذ حسام الصغير ورقة بيضاء وقلم رصاص ، وجلس إلى منضدته يفكر ماذا يكتب. وبعد أن أنهت الأم إعمالها، عادت إلى الغرفة، فوجدت طفلها يغط في النوم ، وقد أسند رأسه إلى المنضدة ، اقتربت منه ، وسحبت الورقة برفق من تحت جبينه . حقاً لقد كتب حسام الرسالة ، ولكن بلغة يتقنها جيداً : رسم دبابة يطل من برجها علم عربي ، ورسم إلى جوارها جندياً يحمل بندقية.. وترقرقت في عيني الأمن دمعتان حين قرأت الكلمة المكتوبة فوق رأس الجندي.. كانت كلمة ( بابا ) ولكن بخط مرتعش. * * *
|
|
الذئب الغبي سال الذئب الثعلب : - كيف توقع بفريستك أيها العزيز؟ أجاب الثعلب : - بالدهاء يا صاحبي.. فهو أفضل وأنجع من المخالب الحادة. فكر الذئب قليلاً ، ثم قال : - ولكنه غير مضمون.. هل تنجح في ذلك دائماً ؟ ابتسم الثعلب ، وقال بزهو : - طبعاً .. فأنا أستخدم عقلي جيداً . قال الذئب : - ولكن كيف؟ قال الثعلب : - أنا أعمل دائما على أن اكسب ثقة الحيوانات المستضعفة .. إنها تأمن للكلام ، وتكره من يؤثر المخالب..على اللسان .. ألست معي في ذلك؟ غمغم الذئب : - يا لك من خبيث .. وماذا بعد ؟ - بعد أن تأمن الفريسة لي ، آخذها إلى مخبيء.. وهناك ينتهي كل شيء. وبعد أن استوعب الذئب الدرس ، ودَّع صديقه ، وتابع تجواله في الغابة ، ولم تمض لحظات ، حتى برز من بين الأشجار أرنب صغير. صعق الذئب للمفاجأة ، وهم بالانقضاض على الأرنب، ولكنه تذكر الدرس، فتمالك نفسه ، وقال بصوت هادئ: -أوه أيها الأرنب العزيز .. ما بك ترتجف.. لا تقل إنَّك خائف مني؟! قال الأرنب وهو يرتعد : - ولكنني خائف بالفعل . قال الذئب : - لا لا تخف.. لقد تركت تلك العادة السيئة ، وهجرت أكل اللحوم ، وانصرفت إلى الأعشاب. فطن الأرنب لمراد الذئب، فتحايل هو الأخر: - أوه إنه لخبر مفرح.. منذ متى كان ذلك؟ - منذ سنة تقريباً . - ولماذا ؟! - لقد أمرني الطبيب بالابتعاد عن اللحوم ، ونصحني بتناول الأعشاب إذا أردت أن احتفظ بقلب نشيط وقوي. فكّر الأرنب : ( ذئب ويقتات بالأعشاب؟!!.. يا لها من كذبة لا يصدقها حتى المجانين!) ثم التفت إلى الذئب : لا شك أن الأعشاب مفيدة للجسم. قال الذئب: - بل أنها رائعة !.. انظر .. لقد زال نحولي، وعادت إليّ الصحة منذ امتنعت عن اللحوم، وانصرفت إلى الأعشاب! هزَّ الأرنب رأسه موافقاً ، ثم قال بحزن : - إن الأعشاب تشفي من جميع الأمراض .. لقد طلبت مني أمي أن احضر عشبة خاصة لأبي المريض.. إنها عشبة تعلوها أزهار سوداء قيل أنها تكثر قرب المياه، فهلا ساعدتني في العثور عليها لنحملها إليه؟ قال الذئب : - بالطبع.. فمروءتي لا تسمح لي بالتقاعس عن نجدة مريض. قال الأرنب : - إذن أنت تبحث في الجهة اليسرى للغدير ، وأنا أبحث في الجهة الأخرى . إنها عشبة تعلوها أزهار سوداء .. لا تنس ذلك. انطلق الذئب يبحث عن العشبة التي لا وجود لها، وهو يمنّي النفس بافتراس عائلة الأرنب بأكملها . أما الأرنب ، فما إن غاب عن أنظار الذئب حتى أطلق ساقيه للريح، وراح يعدو فرحاً بنجاته من موت محقق. * * *
|
|
الكسولان حلَّ موعد الحرث والبذار . تمدد الفلاحان الكسولان تحت شجرة التوت ، وراحا يرقبان أرضهما الواسعة، ويمنيَّان النفس بمحصول وفير لهذا العام. قال أحدهما : - لا شك أن محصولنا سيكون وفيراً هذا العام، وسيدرّ علينا الكثير من الأرباح. قال الفلاح الثاني : - هذا صحيح .. وسننفذ المشروع الذي كنا نحلم به سوية..سننشىء مزرعة كبيرة نربي فيها الأغنام والدواجن.. ونزرع فيها مختلف أنواع الفاكهة. قال الفلاح الأول : - وستزداد أرباحنا عاماً بعد عام.. فنشتري الأراضي المجاورة لأراضي المختار.. عندها يغدو سلطاننا أقوى من سلطانه. قال الثاني : - وسيطمع المختار بأموالي ، ويزوجني ابنته (خولة) فهي رغم سوء طباعها جميلة جداً. قال الأول : - أما أنا فسأتزوج بنتاً متعلِّمة من بنات المدينة ، وسأبني لها بيتاً واسعاً ومريحاً . قال الثاني : - أما أنا ، وبعد أن أتزوج ابنة المختار، فسأعمل جاهداًعلىتنحيته عن منصبه، فهو عجوز ، ولم يعد قادراًعلى تدبير شؤون القرية. ابتسمت شجرة التوت وهي تستمع إلى هذا الحوار، وقالت في سرها : كل عام وفي مثل هذا الوقت ، يرددان هذا الكلام! .. ثم تابعت : تباً لهما.. ألم يتعبا من الأحلام؟! * * *
الصياد والسمكة كان يا ما كان في قديم الزمان، صياد سمك فقير.. وكان يعاني كثيراً من مهنة الصيد هذه . كان يحضر إلى شاطئ النهر في الصباح الباكر ، ولا يغادره إلا عندما تشرف الشمس على المغيب.. يحمل رزقه القليل إلى السوق .. يبيعه، ويشتري بثمنه بعض الطعام الرخيص يسد به جوع أولاده وزوجه. وحين يعانده الحظ، ويبخلُ النهر عليه بسمكة واحدة من أسماكه الكثيرة ، كان صيادنا يعود حزينا إلى البيت وينام أولاده بلا طعام جائعين باكين. * * * وذات صباح ، أعلن المنادي في سوق المملكة عن مسابقة لاصطياد أجمل سمكة ، والفائز الأول سيحصل على مكافأة ملكية قدرها مائة قطعة ذهبية فرك الصياد كفيه ، وقال لنفسه : ( يالها من جائزة!.. لو حصلت عليها فسأتخلص من الفقر إلى الأبد.. اشتري أرضاً ، وأبني بيتاً جديداً وقوياً وانشئ مزرعة أكون أنا سيدها .. يا له من حلم لا يتطلب تحقيقه أكثر من ضربة حظ!) * * * ولم ينم الصياد تلك الليلة .كان فكره مشغولاً بالجائزة والسمكة والبيت والمزرعة وأشياء أخرى كثيرة. ومع خيوط الفجر الأولى ، تسلل الصياد من بيته حاملاً عدة الصيد، ويمم صوب النهر، وهناك ألقى صنارته وترقب . مرت ساعة وساعتان وثلاث.. والماء راكد..وفجأة اهتزت القطعة الخشبية الطافية على السطح هزات سريعة متلاحقة. ابتسم الصياد.. وبسرعة ، جذب عصاه بحركة شاقولية مائلة، وردَّهاإلى الخلف ، واستدار ملتفتاً إلى غنيمته . كانت سمكة ذهبية رائعة تلمع حراشفها تحت أشعة الشمس. دهش الصياد.. فهو لم ير في حياته كلها سمكة بهذا اللون وهذا السحر . افقدته المفاجأة صوابه، فقفز صارخاً: ( أنا صاحب الجائزة!.. أنا صاحب الجائزة .. لقد أصبحت غنياً !) ... واقترب من السمكة، وراح يحاول إخراج الشص من فمها، كان جسم السمكة دافئاً ونابضاً ، ولمح الصياد دموعاً تترقرق في عينيها. همس لنفسه: ( يا للعجب.. إنها تبكي!!) . ومرت لحظة، حدس خلالها الصياد أشياء كثيرة : لا شك أنها أمُّ خرجت تبحث عن قوت لصغارها، تماماً كما يفعل هو كل صباح وتساءل: (هل يعيد السمكة إلى النهر ويفرّط بالجائزة ، أم يترك العواطف جانباً ، ويمضي بها إلى حيث ينتظره الجاه والثروة والسعادة؟؟). ولم يطل به التفكير .. فقذف بالسمكة إلى الماء قائلاً : ( عودي لصغارك أيتها الرائعة.. ولتذهب الجائزة إلى الجحيم !) ولمحها بعد قليل ترفه رأسها من الماء وتهزّه وكأنه تشكره على جميل صنعه. * * * يقال ان الجميل الذي صنعه الصياد للسمكة لم يذهب سدى.. إذ سرعان ما ظهر الثراء على الصياد.. فاشترى مزرعة وبيتاً وعربة جميلة. ولا أحد يعرف ، إلى اليوم من الذي كافأ الصياد.. هل هو القدر دلّه على كنز ما حين كان يحفر بئراً خلف كوخه القديم، أم أنها السمكة الذهبية التي لم تكن في الحقيقة سوى ابنة سلطان مملكة الأسماك ، أهدته ، وكما تروي الأساطير دائماً ، الطاسة العجيبة التي لا تفرغ ابداً من الذهب؟؟. لا أحد يدري! * * *
|
|
فراش الذئب في أحد الأيام ، خرج الأرنب من مخبئه ، وتوجه إلى بيت الذئب. لقد قرر أخيراُ ان يعقد صلحاً مع الذئب.. فهو لم يعد يثق ببقية الأرانب إنهم دائماً على خلاف ، وندر ان يجتمعوا على رأي ، أو يتحدوا أمام خطر. كان الذئب جالساً أمام البيت.. اقترب منه الأرنب وحياه ثم قال : - لقد جئتك لأمر يا أبا ثمامة ، وأرجو أن لا تردَّني خائباً. قال الذئب : - أهلا أولاً .. ما هو الأمر الذي يحملك على المجيء إليّ بقدميك.. لعله أمر بالغ الأهمية ؟! قال الأرنب : - هو كذلك . لقد يئست من عناد أخوتي ، وجئت أعرض عليك الصلح، فماذا تقول؟ أطرق الذئب .. وبعد صمت قصير ، رفع رأسه وقال : - موافق ، ولكن لي شرط وحيد، أتمنى أن توافق عليه. قال الأرنب : - إذا كان ممكناً ، فلن أعارض. قال الذئب: - لقد تقدمت بي السن، وداهمتني الأوجاع. وأنا بحاجة إلى فراش يقيني من حصباء الأرض.. أنا بحاجة إلى فرائك الناعم أيها العزيز . فهل تعيرني إياه؟ فوجئ الأرنب بهذا الطلب الغريب ، ولكنه قال : - لا بأس .. فالوقت صيف، وأنا لا أحتاج لفرائي الآن.. سأقدمه هدية لك عربوناً للصداقة الجديدة. خلع الأرنب فراءه الجميل ، وقدمه للذئب الذي قال : - شكراً لك أيها الصديق الرائع . شكراً لك. ومرت الأيام سراعاً ، وجاء الشتاء ببرده وثلجه، وشعر الأرنب بحاجته إلى فرائه الدافئ، وأدرك كم كان غبياً عندما تخلى عنه للذئب.. وبعد تفكير طويل ، قرر أن يستعيد الفراء ، وإلا مات من البرد. سار الأرنب متحاملاً على نفسه، يقاوم لسعات البرد قدر المستطاع، حتى وصل إلى بيت الذئب. وبعد طرق متواصل على الباب، فتح ، وأطل منه الذئب برأسه الرمادي.. وما إن رأى الأرنب حتى صاح: - أهلاً .. أهلاً بالأرنب العزيز . هلى من خدمة أستطيع أن أقدمها لك؟ قال الأرنب وهو يرتجف : جئتك من أجل الفراء . أنا بحاجة إليه اليوم، وسوف أعيده لك بعد ان ينقضي الشتاء. ضرب الذئب كف بكف ، وقال بحزن مفتعل : - يالتعاستي ... يالشقائي! صاح الأرنب : - ماذا .. ماذا حصل ؟ قال الذئب : - لن اقدر على تلبية طلبك اليوم . لقد مزقت الفئران بعض جوانب الفرو.. وكنت اعتزم إصلاحه الليلة لعلمي أنك ستحتاج إليه . صمت الذئب لحظات ، ثم تابع كلامه : - يسعدني أن أستضيفك الليلة أيها العزيز .. سوف أسهر الليل كله حتى أنجز لك فروك.. آه كم أنا خجل منك .. تفضل يا أخي .. تفضل . ودخل الأرنب بيت الذئب، ولا تسألوا ماذا حدث بعد ذلك. فكل ما أعرفه أن أحداً لم يعد يرى الأرنب والذئب يسيران معاً ، كما ان الأرنب لم يظهر له أثر منذ ذلك الحين. * * *
الحمار الذي أراد ان يهرب من الذبح كان ذلك اليوم هو أول أيام العيد .. شاهد الحمار صاحبه أبا محمود يتوجه إلى الحضيرة وهو يحمل سكيناً لامعة كبيرة. شعر بالخوف، فارتجف وانتصبت أذناه الطويلتان ، فرفس الأرض بقوائمه، وانطلق هارباً. في الطريق ، استوقفه الكلب الذي نبح : - ماذا جرى يا ذا الأذنين .. لماذا تركض وتتلفت خلفك؟ - لقد جن صاحبي أبو محمود .. إنه يريد ذبحي؟ - قل غير هذا يا ذا الأذنين .. ولماذا يذبحك أبو محمود؟! - لا أدري .. لا أدري وتابع الحمار ركضه.. فالتقى بالبقرة التي كانت ترعى العشب قرب الساقية ، فصاحت به : - ماذا جرى أيها الحمار. أراك مرعوباً وخائفاً ؟! - أبو محمود .. أبو محمود أيتها البقرة .. إنه يطاردني وبيده سكين حادة بيضاء! هزّت البقرة رأسها غير مصدقة .. في حين تابع الحمار ركضه المجنون في حواري القرية.. فمرّ بالحصان الذي كان يمارس رياضته الصباحية في التقلب على العشب . صاح الحصان : - مهلاً يا أبا الذكاء!.. ما لك تجري وكأن الموت يطاردك؟! - بل إنه يطاردني حقيقة.. أبو محمود صاحبي يريد ذبحي .. إنه ورائي .. وداعاً. وتابع الحمار ركضه.. فصادفه الديك الذي كان يحرس دجاجته وصيصانه .. فصاح : - لماذا تركض هكذا أيها الحمار، هل هو الحصان قد غضب منك مرة أخرى؟ - لا .. ليس الحصان هذه المرة.. بل الموت .. الموت يطاردني يا صاحبي!! هزّ الديك رأسه . ولم يكلف نفسه حتى عناء التفكير في كلام الحمار. فهو يعرف عوائد طويل الأذنين وتصرفاته الشاذة التي يدفعه إليها غباؤه.. فلا غرابة .. إذن فيما قال . وتابع الحمار عدوه . فقطع القرية صاعداً إلى تخومها.. وعندما جاوزها ، صادف في أول السهل ثعلباً.توقف الحمار ليلتقط أنفاسه، ثم سأل الثعلب: - أيّ طريق تؤدي إلى الغابة أيها الصديق؟ أطرق الثعلب لحظات، ثم رع رأسه وصاح : - أوه .. لا شك أنك ضللت طريقك أيها الصديق.. فالغابة في غير ما تتجه.. الغابة بعيدة جدّاً توسل الحمار: - أين هي أيها الصديق ؟ قال الثعلب : - لن أدلكَ ما لم أعرف سبب ذهابك إليها. قال الحمار : - أنا ذاهب إليها هرباً من الموت.. فصاحبي يريد ذبح
|
|
رغم أنني لم اخطئ معه أو أقصر يوماً في واجباتي نحوه. ابتسم الثعلب.. وفهم بخبرته الطويلة أيّ غباء مضحك ذلك الذي يتمتع به الحمار.. لذلك تحسس معدته الخاوية وقال بخبث: - سأقودك إلى الغابة رغم ما بي من تعب .. فمروءتي لا تسمح لي بالامتناع عن مساعدة ذوي الحاجة.. إنها نقطة ضعفي التي أعترف بها وايضاً افتخر ! * * * وعند الظهر.. وفي الوقت الذي كان فيه أبو محمود وعائلته يتحلقون حول مائدة الغذاء التي ضمت خروفاً مشوياً ذبحه ابو محمود في الصباح اكراماً للعيد، كانت مجموعة من الثعالب تحتفل بدورها بالعيد، وتتحلق حول مائدة ضمّت حماراً غبياً ، كان لحمه نيئاً وقاسياً ، ولكنه في عرف الثعالب طريٌّ ولذيذ.
|
|
* * * درس سال الهدهد الحكيم مجموعة البلابل : - لماذا أنتم حزينون يا أصدقائي ؟ أجابت البلابل : - لأن الغربان الشريرة احتلت شجرتنا ، فأصبحنا بلا مأوى. قال الهدهد : - وماذا أنتم فاعلون ؟ قالت البلابل : - لا ندري .. فهلا نصحتنا أيها الهدهد الحكيم؟ قال الهدهد مستغربا: -أنصحكم !.. وهل يحتاج الأمر إلى نصيحة ؟! وبعد أن أطرق الهدهد لحظات ، سأل: - كيف يعيد المرء ما اغتصب منه ؟ قالت أحد البلابل : - بالقوَّة وقال ثان : - بالحيلة واعترض ثالث : - بل بإقامة الدعوى على المغتصب في مجلس أمن الغابة . قال بلبل شيخ : - ولكن الغابة تحكم دائماً للأقوى. واشتد الخلاف ، وعلا الهرج ، واحتدمت المعركة ، واشتبكت الأيدي والمناقير . هزّ الهدهد رأسه أسفاً ، وطار ليعلم أبناءه درسا أخذه عن البلابل.
|
|
اللوحة رسم أحمد جبلاً ينساب إلى جواره نهر عذب . رسم ايضاً أشجاراً كثيرة تحوط سهلاً يتماوج فيه العشب . ولم ينس أن يرسم شمساً ضاحكة من ورائها تبدو سماء زرقاء صافية. تأمل أحمد لوحته جيداً ، فوجد أنها ما زالت ناقصة . فكر ، ثم تناول الفرشاة ، ورسم أطفالا يدورون حول الأشجار وعصافير كثيرة تزقزق فوقها. تأمل أحمد اللوحة ثانية ، وفكر : - إنها ليست مثيرة ! مسح العصافير والأطفال ، ورسم شبكة تتخبط في داخلها مجموعة من العصافير الملونة . وحين انتهى ، صفق فرحاً ، وصاح : - إنها رائعة .. إنها رائعة ! ترك أحمد اللوحة لتجف ألوانها ، وخرج إلى الحديقة . قال عصفور لرفاقه : - ما أقسى قلب هذا الطفل!.. إنه يكره العصافير . وقال عصفور آخر : - ويحب تعذيبها . قالت عصفورة : - سيحضر الصياد بعد قليل ويأخذنا إلى بيته .. يالمصيرنا التعس! سمعت هند التي دخلت الغرفة لتوها كلام العصفورة ، فاقتربت من اللوحة . تأملتها جيداً ، ثم تناولت الريشة . مسحت الشبكة، وتحركت أصابعها الرشيقة ببراعة فوق الورقة .. وسرعان ما امتلأت .. الأشجار بالعصافير التي راحت تغني سروراً وفرحاً. قال عصفور : - ما أطيب قلب هذه الطفلة ! قال عصفور آخر : - إنها تحب العصافير والاشجار . قالت العصفورة : - ليتها تقبلني صديقة . ابتسمت هند . تناولت الريشة ، ورسمت طفلة بضفيرتين ذهبيتين وعينين زرقاوين كعينها .تحركت الطفلة ، وراحت تنثر حبات القمح للعصافير . اطمأنت العصفورة صفقت بجناحيها ، ثم حطت على راحة الطفلة . ابتسمت الطفلة .. فابتسمت هند. * * *
|
|
الملك والأشجار خرج الملك يتنزه في حديقة قصره.. وأثناء تجواله، وخزَهُ غصنٌ، فاحدث جرحاً في مقدمة جبهته . غضب الملك وأمر بقطع جميع الأشجار في مملكته . لبّى الرجال نداء الملك ، واخذت الفؤوس تهوي على جذوع الأشجار. وما إن حلَّ المساء ، حنى لم تبق شجرة واحدة تنبض بالحياة .. وابتسم الملك!! تغير منظر المملكة ، وتحولتْ إلى سفوح جرد تُعْوِلُ فيها الرياح. وعندما جاء الصيف ، حل الجفاف ، وكثرت الرياح المحملة بالغبار وتعرضت المملكة لويلات وويلات. يومها قال الملك : انظروا .. حتى الطبيعة غاضبة على الأشجار التي أهانت قداسة الذات الملكية! أما العصافير ، ورغم حزنها على ما حل بالأشجار، فقد هزّت رؤوسها ، ورفرفت بأجنحتها ، وطارت باحثة عن وطن لا يوجد فيه ملوك يحاربون الأشجار. * * * أغنية للوطن قلت للنهر : - إلى أين ذاهب أيها النهر ؟ قال : - إلى البحر .. وطني قلت : - وأناايضاً لي وطن أتمنى أن اذهب إليه . قال النهر : - وماذا يمنعك؟! قلتُ : - الأعداء الذين اغتصبوه.. وابعدوني عنه. قال النهر : - وماذا تفعل لوطنك الآن ؟ قلت : - أحنُّ إليه .. وأتغَنَّى به دائماً . قال النهر ساخراً : - من يعجز عن استرداد وطنه ، لا يحق له ان يتغنَّى به. ومضى النهر . وظلت كلماته ترنُّ في أذني حتى بعد أنْ كبرت.. فأنا اليوم مقاتلٌ أحتضنُ بندقيتي ، وانتظرُ اللحظة التي سأغنِّي فيها للوطن. * * *
|
|
لوحة سامر قلت لريشتي : - هل تأتين معي إلى الحديقة ؟ قالت : وماذا ستفعل بي هناك؟ قلت : - أرسم بكِ. قالت : - وماذا سترسم ؟ قلت : - أشياء كثيرة.. بيتاً ونهراً أزرق جميلاً .. وسماء صافية . قالت : - وماذا أيضاً ؟ قلت : أطفالاً وحدائق وطيوراً ترقص وتغني . أطرقت الريشة . حزن عميق ارتسم على وجهها . قلتُ : - ماذا .. ألم تعجبك الفكرة؟! قالت بعتب : - ألم تنس شيئاً يا سامر؟ قلت : - وماذا أنسى .. أليست هذه هي الأشياء الجميلة التي اتفقنا على حبها معاً ؟! - بلى ،ولكنك نسيت أحلاها! أطرق سامر . عصر جبهته، وفكر . واخيراً ابتسم . مدَّ يده إلى ريشته . احتضنها بود .. ثم راحت أصابعه تتحرك لترسم برشاقة رجالاً تلمع في أيديهم بنادق، وطائرات تقذف حممها باتجاه الأعداء ، وأطفالاً على أسطحة المنازل يصفقون للنسور، ويعدُّون بفرح طائرات العدو وهي تتساقط كَلُعَبٍ على أرض المعركة.
|
|
|
|